المشروع السياسي لثورة الأحرار في مصر

February 9, 2011 by
Filed under: Articles, مقـــالات عربيـــة 

بقلم نضال صقر

مثلت ثورة الأحرار في مصر و ما زالت صدمة لكل من يتابع الشأن المصري، و حيث أن الشأن المصري هو بطبيعة الحال شأن إقليمي و دولي فإن تبعات ثورة الأحرار في مصر تتجاوز القطر و الإقليم لتترك أثراً بالغاً على الكثير من الملفات و الشؤون الإقليمية و الدولية.

و عموماً فإنني لا أرى مبرراً لهذه الصدمة و الذهول، فكل من تابع أوضاع مصر و عايش الواقع المصري لربما كان أكثر صدمة و ذهولاً أنها لم تقم قبل الموعد الذي إندلعت فيه، و أنها لم تأخذ منحى أكثر تصعيداً.

الأطراف المعنية:
تفاوتت ردود الأفعال و بالتالي سرعة التأقلم مع الحدث لدى كل من الأطراف الرئيسية المعنية.  و من الأهمية بمكان دراسة إنعكاسات الثورة المصرية على كل طرف، و موقف كل طرف منها لإستشراق مستقبل الثورة و ضمان نجاحها كنموذج حضاري تحرري تقدمي، ليس فقط لشعب مصر البطل بل لكل الشعوب المقهورة في مشارق الأرض و مغاربها.

يمكن تلخيص أهم الأطراف المؤثرة و المتأثرة بالثورة المصرية في ثلاثة أطراف رئيسية:

أولاً:  الشارع المصري و يشمل جماهير الشارع و الحركات الشبابية و الأحزاب السياسية و الجماعات.

ثأنياً:  النظام المصري.

ثالثاً:  المنظومة الدولية المتعلقة و بالتحديد الولايات المتحدة و إسرائيل

الشارع المصري:

كما أشرت سابقاً، لم يكن إندلاع الثورة بحد ذاته صادماُ بقدر ما كان أداؤها الحضاري المتميز و زخمها اللذين فاقا جميع التوقعات بما فيها تلك للداعين لها و منظري للتغيير.  أما بالنسبة للنخب السياسية و الأحزاب فقد عانت من نفس أمراض النظام السابق إذ إعتبرت نفسها وصية على الشعب الذي لم تمت إليه بصلة إلى حد كبير، عدا عن جماعة الإخوان المسلمين و التي ترتبط بحسابات داخلية و سياسية تتنافى مع التلقائية و العفوية.

من المهم جداً إدراك أن الثورة و إن إفتقرت إلى الخطاب السياسي لدى المنظمين، و إن لم تكن بطبيعتها ثورة سياسية، إلا أن أبعادها السياسية المتعددة تشكل عاملاً رئيسياً في ولادة فكرتها و تطور تصورات القائمين عليها.

لو نظرنا إلى المطالب السياسية للثورة لوجدناها تمثل مشروعاً سياسياً راقياً و متميزاً بالغ النضوج و الوضوح، على الأقل مقارنة بأي نماذج تغييرية أو ثورية أخرى، و أهم ما تعالج المطالب السياسية للثورة:

1. تقرير مصير النظام الحاكم.

2. تقرير شكل و آليات النظام السياسي الجديد ما بعد الثورة.

3. تحديد آليات الإنتقال السلمي للسلطة من النظام الساقط إلى النظام السياسي ما بعد الثورة.

سأستعرض هنا سريعاً أهم ملامح المشروع السياسي للثورة كما أعلنه الشارع المصري في مطالباته و هتافاته و لافتاته في ميدان التحرير و غيره من ميادين و شوارع مصر.

أولاً:  إسقاط شرعية النظام إبتداء من تاريخ إندلاع الثورة في 25 يناير 2011، عندما أطلق النظام الرصاص على المواطنين العزل في مظاهراتهم السلمية.

ثانياُ:  إسقاط شرعية مؤسسات الحكم المرتبطة بالنظام المزورة و المزورة “بفتح و كسر الواو” و تشمل مجلسي الشعب و الشورى و الحزب الحاكم.

ثالثاً:  إلغاء فوري لقانون الطوارئ و جميع القوانين الإستثنائية و المقيدة للحريات، و الإفراج عن جميع سجناء الرأي و السجناء السياسيين، و جميع المعتقلين بموجب قانون الطوارئ و القوانين الإستثنائية.

رابعاً:  إعلان رئيس المحكمة الدستورية العليا رئيساً إنتقالياً للبلاد، و يناط به:

أ. تشكيل حكومة وحدة وطنية لتسيير الأعمال من الكفاءات النزيهة غير المرتبطة بإنتهاكات النظام السابق.

ب. تشكيل لجنة وطنية لمراجعة قانون مباشرة الحقوق السياسية، و هو قانون متطور أعده تحالف القوى الوطنية، تمهيداً لإقراره إلى حين إنتخاب البرلمان الجديد.

ج. إجراء إنتخابات برلمانية حرة و نزيهة وفق القانون الجديد خلال مدة أقصاها ستة أشهر و يعرض على البرلمان المنتخب القوانين و التعديلات الدستورية الجديدة.

د. تشكيل لجنة وطنية لإعادة صياغة الدستور و يتم طرحه على البرلمان المنتخب.

ه. إجراء إنتخابات رئاسية حرة و نزيهة و فق الدستور الجديد خلال مدة لا تتجاوز العامين.

بطبيعة الحال هناك بعض التفصيلات لبنود المشروع السياسي إلا أن المطالب الأساسية تشكل إطاراً سياسياً و أرضية دستورية واقعية و شاملة بما يضمن إنتقال سلمي فوري سلس و آمن للسلطة يستجيب لمطالب الشارع المصري دونما إضرار بكل من الدولة و حقوق المواطن أو تعطيل لمصالحه.

النظام المصري:

كما أشرت في كتابات سابقة قام النظام المصري السابق على مفهوم الدولة الوظيفية.

خارجياً و إقليمياً: تركز دور النظام المصري على خدمة المشروع الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة من خلال دعم و تعزيز الهيمنة الأمريكية و التغول الإسرائيلي.  يتضح الدور الوظيفي للنظام من خلال دور النظام في تشكيل التحالف الدولي و العربي ضد العراق عام 1990 ثم إسقاط النظام العراقي عام 2003، و حصار غزة و إعلان الحرب عليها، و تعطيل ملفات المصالحة الفلسطينية و تبادل الأسرى و رفع الحصار، و إتاحة الفرصة لإسرائيل للتمادي في الإستيطان مع الإصرار على الضغط للإستمرار في المفاوضات، إضافة إلى إصطناع الأزمات و الإنقسامات في المواقف العربية حول حرب لبنان و حرب غزة و غيرها من الملفات.

و لقد كان اللاعب الرئيسي في جميع هذه الملفات ليس إلا نائب الرئيس الذي جرى إستحداثه بعد إندلاع الثورة عمر سليمان، و الذي أمسك بمعظم إن لم يكن كل الملفات المصرية الإقليمية و الدولية.

داخلياً: تفرغ النظام و رموزه على مدى الأعوام العشرة الماضية لنهب ثروات الشعب و إكتشافات البترول و الغاز و الصناعات الإستراتيجية من خلال فرض نفسه كشريك محلي للشركات الأجنبية المنقبة و المنتجة و المستثمرة في معظم المشاريع العملاقة مما مكن الرئيس و أعوانه من جني ثروات طائلة على حساب الشعب المصري البائس المقهور.

هذا الوضع الشاذ لم يكن ليقم دونما سطوة أمنية فتاكة ترهب المواطن المصري من مجرد التفكير في إنهيار و تردي الواقع المصري على أيدي النظام.

و هنا لا بد من الإشارة أن إندلاع حرب البلطجية ضد ثوار مصر المسالمين الأحرار عقب تولي عمر سليمان منصب نائب الرئيس و إدارته الفعلية للنظام إبان الثورة، لهو أكبر دليل على تورط عمر سليمان و ضلوعه في ثقافة البلطجة السياسية و الدموية كأداة للقمع السياسي و تقييد الحريات.  ومن المعروف عن سليمان أنه من أكثر رجال المخابرات دموية في العالم حيث لا يعرف للإنسان حقوقاً و لا للوطن و المواطن كرامة و حرمة.

المنظومة الدولية:

الأطراف العربية: تعاطت الأنظمة العربية مع الثورة بالذعر و الخوف حيث أنها لا تقل خيبة عن النظام المصري الساقط و الذي لطالما نظر إليه الزعماء على إعتبار أنه “المعلم” أو “كبيرهم” بالمصطلح القرآني، إن جاز التعبير، بما فيها مفهوم الصنم الأكبر و مفهوم كبير السحرة.  بالطبع نجاح ثورة الأحرار في مصر يعني بداية واقع مصري و إقليمي و دولي جديد، و ذلك على الرغم من أن أجندة الثورة لا تخرج عند منظريها عن مجرد رفع الظلم عن المواطن المصري و إستعادة حق كل مصري في الحرية و الكرامة.

إسرائيل بطبيعة الحال هي عدوة الثورة الأولى حيث لم تخفي على لسان قادتها أن الثورة المصرية بحد ذاتها تشكل أكبر خطر يتهدد الكيان الإسرائيلي و وجوده منذ نشأته، و هذا طبعاً يفضح المزيد من سوءات النظام البائد و يفسر إستماتة إسرائيل في الإبقاء على النظام الساقط تحت قيادة حليفها المقرب نائب الرئيس المستحدث.

الولايات المتحدة: تعتبر الولايات المتحدة اللاعب الرئيسي في محاولة الإبقاء على النظام و إجهاض الثورة.  مواقف أمريكا المعلنة من الثورة مواقف متخبطة و مريبة و إن كان إنتدابها مبعوثاً يهودياً يرتبط بمصالح أعمال و عمولات مباشرة بالرئيس المخلوع تكشف عن السقوط الأخلاقي و التردي السياسي الأمريكي في موقفها من الثورة. وحقيقة حيث أنني كنت طرفاً مباشراً في لقاءات و مفاوضات مع كبار المسؤلين الأمريكيين في أكثر من إدارة و حتى أشهر قليلة ماضية، فإن الأدلة دامغة بأن أمريكا كان لديها تحذيرات واضحة و صريحة عن قابلية الوضع المصري للإنفجار و حتمية إندلاع حملة شعبية عارمة للتغيير كان متوقعاً إندلاعها قبل نهاية العام المنصرم، بل و توفرت للإدارة الأمريكية كل المعطيات للتعامل مع القرار الشعبي المصري بما ينسجم و إرادته الحرة و المثل الأمريكية المعلنة في الحرية و الديموقراطية، مع الحفاظ على المصالح الأمريكية في مصر و المنطقة التي لا تتعارض مع الإرادة الشعبية للشارع المصري و حقوقه الوطنية و مصالحه القومية.

و في تقديري أن إستمرار مراوغة أمريكا و إصرارها على التصادم مع الخيار الشعبي المصري قد ينذر بظهور و تصاعد مناحي معادية لأمريكا و مصالحها، ما لم تعد الإدارة الأمريكية حساباتها للتعامل مع الواقع المصري الجديد من منظور المصالح المشتركة و المتكافئة في آن واحد.

المشروع الحضاري المصري للتغيير:

لعله أبرز ما يميز الإنتفاضة المصرية هي الرقي الحضاري في الفهم و الأداء و السلوك، و إذ قرأنا كثيراً عن الثورة الفرنسية و غيرها من النماذج الثورية الشرقية و الغربية، فإن النموذج المصري يمثل بحق نموذجاً حضارياً متميزاَ ينسجم و العراقة الحضارية و الثقافية لشعب النيل العظيم، بما يؤذن بصياغة فصل جديد في نظرية الثورة و التغيير و تاريخهما.

مصر من الثورة إلى الدولة الجديدة:

ستتركز المرحلة المقبلة على الحفاظ على المكاسب الشعبية و الجماهيرية للثورة مع تطوير الطرح السياسي لممثلي الثورة للمشروع السياسي الواعي و الناضج و الجاهز للتطبيق.  كما و من المتوقع تطوير الأداء الجماهيري و الشعبي و التنظيمي لإنتزاع حرية الشعب و حقوقه في وجه المماطلات و التسويف من قبل النظام الفاقد للشرعية و الذي أطاحت به الثورة شرعياً و شعبياً و دستورياً، و إن كان سقوط النظام بحد ذاته يمثل إسقاطاً لدستوره المعيب في كثير من بنوده.

كلمة أخيرة للعقلاء:

هذه الثورة قائمة على الحب و السلمية و التمدن، لا تعادي أحداً سوى القهر و الظلم و الطغيان، وقودها الضمير الإنساني الحي و هو و إن كان مصرياً فإنه يتوقد في أرواح جميع أحرار العالم.

كل ما يطلبه الثوار هو حقهم و حق شعبهم في العيش بحرية و كرامة و إختيار قيادتهم و نظامهم الحاكم.  إرادة الشعب الحرة كما رأينا أقوى و أكبر و أعلى من كل جبروت و طغيان و كما أعلن أحد الثوار في يافطته: “المتغطي بالأمريكان عريان،” و أنا أضيف “المتغطي بسليمان أكثر عرياً”.

حتى الآن لم يعرف عن عمر سليمان تورطه في الفساد و الكثير من سوءات النظام الفاشل على الرغم من رفض الشارع لدور سليمان الوظيفي في الملفات التي تولاها، من هنا فلربما كان من الأجدى له أن يتراجع عن الإستماتة في إبقاء نظام لم يعد موجوداً إلا في مزبلة التاريخ، و محل لعنات الأرض و السماوات.

رأينا ترجمة فعلية لإرهاصات قول الشاعر “الظلم مرتعه وخيم” و الذي لطالما حذر الشعب منه كل طاغية، و لكم أتمنى و يتمنى الكثيرون أن يفهم و يستوعب جميع من يقامر بالوطن و مصيره، أنه لا خيار سوى أن يخلوا جميعاً بين الشارع وقراره و مصيره الذي إختاره بنفسه و لنفسه. و اليقين كل اليقين بأن مصر الغد لن تكون سوى مصدر إلهام و فخر و إكبار للعالم أجمع، كما هو حال ثورة أحراره الخالدة المجيدة.

Comments

2 Comments on المشروع السياسي لثورة الأحرار في مصر

  1. angie on Wed, 9th Feb 2011 9:31 pm
  2. any English translation?

  3. admin on Sun, 13th Feb 2011 2:30 am
  4. Forthcoming, thanks.