يحكى أن..كان فيه “موجة ثورية”

October 19, 2013 by
Filed under: Articles, Uncategorized, مقـــالات عربيـــة 

بقلم:  د. نضـــال صـــقر

وثيقة إستراتيجية…..للأذكياء فقطR4BAA Universal

الجزء الأول من هذه الوثيقة هو مقال منذ عامين بعنوان “يحكى أن..كان فيه ثورة” يصف الحال الذي نعيشه اليوم و كيف وصلنا إلى ما وصلنا إليه.  تاريخ المقال كان بعد ظهور النتائج الأولى لإنتخابات مجلس الشعب المنحل و قبل حتى ترشح الإخوان لإنتخابات الرئاسة.

بإستعراض بسيط، لا يغني عن قراءة الجزء الأول، تمر مصر اليوم بمرحلة من نتائج مخطط أمريكي قام على إجهاض الثورة للحفاظ على الدور الوظيفي للدولة المصرية في خدمة المشروع الأمريكي. و إقرأ في ذلك وثيقة “أمريكا و العالم الإسلامي..بين الشرعية و الأنظمة و الشعوب” والذي نشر قبل ثلاثة سنوات.

المشروع الأمريكي لإجهاض الثورة:
كانت الثورة صدمة لأمريكا، تعاملت معها مبكراً بالتآمر عليها بدءاً من مبعوث أوباما لمبارك المخلوع، فرانك وايزنر، مروراً بلقاءات سكوبي/عنان و البرادعي، وصولاً إلى إستحداث ملف خاص بمصر في الأول من مارس 2011 وإنتداب الدبلوماسية المخضرمة في “إسقاط الدول” آن باترسون.

أما بذرة الإنقلاب فكانت في تشكيل باترسون ل”تحالف رفض التعديلات الدستورية” أوائل مارس من نفس العام بمؤتمر في حياة ريجنسي بالقاهرة، بتمويل مشترك من نجيب ساويرس، وصحيفته المصري اليوم، وغرفة رجال الأعمال الأمريكان.  “تحالف رفض التعديلات”، الذي ضم نخب مصطنعة وحركات ثورية مفبركة و نشطاء غبرة يجمعهم حب الظهور و المادة، أصبح فيما بعد “تحالف القوى المدنية” و تطور بعد تحالفه المعلن مع الفلول إلى ما يسمى “جبهة الإنقاذ” بمشتقاتها.  من هذه المشتقات حركة تمرد المصنعة مخابراتياً و إستخباراتياً و عسكرياً، و الممولة ساويرسياً.

لكن ما يعني في الأمر أن كل هذه الأطراف ليست في حقيقة الأمر سوى أدوات بتواريخ صلاحية محكومة بالظروف، تنتهي بعدها في مقالب نفاية سياسية.

المنظومة الإنقلابية:
أما التسلسل الهرمي للمنظومة الإنقلابية فهو كالتالي:
– السفيرة الأمريكية آن باترسون
– وحدة مكافحة الإرهاب بأمن الدولة.  و تسيطر على الشخصيات العامة و مراكز القوى على مختلف مستويات الدولة بدءاً من مبارك وطنطاوي وسيسي إلى رجال أعمال إلى إعلام و نخب سياسية و أهمها رجالات القضاء و إعلاميين و صحفيين.  قيادة الوحدة تتبع الإستخبارات الأمريكية مباشرة و ليس قيادة مصرية.

- منظومة إنقلابية من دول خليجية و إقليمية منها دولة “المؤامرات العربية” و السعودية و الكويت و البحرين و الأردن و إسرائيل و سوريا.
– بطانة إنقلابية منها دحلان و شفيق.

- رجال أعمال منهم ساويرس و الأمين و غيرهم من فسدة النظام البائد.

- مجلس عسكري من فسدة ومرتشين و لصوص، و منظومة ضباط بلطجية بزي وزارة داخلية.

- قيادة كنيسة طائفية فاسدة، و مشيخة أزهر فلول فاسدة.

- إعلاميين “يبيعون أمهاتهم” كما قالت بالنص إعلامية إنقلابية جرى تهميشها بعد إنتهاء صلاحيتها بالإنقلاب.

- منظومة بلطجية وجريمة منظمة و نخانيخ.

- نشطاء غبرة دخلاء على المشهد مدفوعين بحب الظهور و تعمير الجيوب، ذكوراً و إناثاً.

كيف حدث الإنقلاب؟
أولاً:  المتآمر الحق “النموذج الأمريكي”..مع الإعتذار للشيخ الشعراوي

المتآمر الحق هو الذي يضع خطته وفق تصوره لظروف معينة، مع الإحتفاظ بقدر من المرونة للتأقلم و التعديل مع أي تغير في الظروف سواء كان متوقعاً أو غير متوقع، للوصول إلى الهدف النهائي للمؤامرة.

امريكا تحتفظ بالأستاذية في التخطيط لأهداف مغرضة إستناداً إلى فرضيات مغلوطة و بالإعتماد على حسابات خاطئة.  عادة تفشل أمريكا في الوصول إلى الهدف و لكن غالباً ما تنجح أمريكا في تحميل تبعات أخطائها لغيرها و تنجو هي من دفع الثمن، إلا اليسير اليسير.

إستعانت أمريكا بأدواتها في المنظومة الإنقلابية لإجهاض التحول الديموقراطي و إستقلال القرار المصري و تحول مصر من الدولة الوظيفية الخادمة إلى الدولة السيادية المستقلة المحورية.
أما إسقاط الدولة فمستويات تتراوح من إفشالها من خلال نظام فاشل فاسد عاجز لكن يحفظ تماسك الدولة، إلى دولة فاشلة تنهار فيها السلطة المركزية تماماً على غرار الصومال على سبيل المثال.  إلا أن محورية مصر و خطورة البدائل هي سبب التباين الرئيسي بين الموقف الأمريكي بتماسك الوحدة الجغرافية، و الموقف الإسرائيلي الداعم لتفكك الدولة بالإستعانة بالكنيسة و بعض الأطراف “المهمشة” بزعمها.

ثانياً: العميل أبو زنوبة

أذكر في بداية الثمانينات أثناء زياراتي للجامعة الإسلامية بغزة تعرضها بين الحين و الآخر لهجوم بالطوب من مجموعة من الزعران تسمى “الشبيبة الفلسطينية”، و هي النسخة الفلسطينية من “جبهة الإنقاذ”.  كان يقود هذه العصابة أحد الزعران من سكان مخيم خانيونس يرتدي زنوبة بلاستيك أبو صباع في حالة يرثى لها إسمه “محمد دحلان”.

محمد دحلان اليوم أداة إسرائيلية لصهينة بعض الأنظمة النفطية ك”دولة المؤامرات العربية” و النظام الإنقلابي و غيره، و ذلك بعد إستكمال صلاحيته في صهينة السلطة الفلسطينية.

مستويات الدولة العميقة:

ثالثاً:  المجلس العسكري
يجب أولاً الإشارة أن جيش مصر اليوم هو جيش كامب ديفيد الذي يقتصر دوره على حماية إسرائيل و المشروع الأمريكي في المنطقة.  و يعد الدور المصري “بعد عودتها من طردها عربياً إثر كامب ديفيد” بتشكيل التحالف العربي كجزء من قوات التحالف الأمريكي لغزو العراق عقب حرب الكويت بداية تاريخ العمالة المشؤوم للمؤسسة العسكرية المصرية، كان له ما بعده.

أما المجلس العسكري فثلة من العسكريين الفاسدين المصنعين أمريكياً يمثلون في حقيقة الأمر مجلس إدارة ل”نهيبة الدولة” وتقاسم الغنائم من المشاريع الإقتصادية الرائدة من صناعات مكرونة متطورة إلى حلل ستانلس ستيل فائقة الجودة إلى قلايات بطاطس بخروم متعددة التسريب، و بالطبع لا يفوتنا بوتاجاز الخمس عيون الذي يمكن تزويده بقدرات قتالية هجومية عالية سبع عيون طالما كل شيء بحسابه.

المجلس العسكري الذي يسيطر على أكثر المواقع العقارية إستراتيجية على مستوى القطر المصري، ليس في حقيقة الأمر سوى وريث مرحلي للنظام المخلوع لحين إعادة ترتيب المشهد المصري لإفراز البديل الوظيفي لمبارك.

رابعاً: الداخلية
أدق وصف للداخلية هي وصف الشارع “الداخلية بلطجية” بتشكيلات متباينة في اللبس و الكادر و التسليح، بدءاً من حرامي الغسيل إلى أبو دبورة و نسر و كاب، و هو أيضاً في النهاية ليس سوى حرامي غسيل، من نوع آخر يعتمد على الغسيل ذاته.

منظومة البلطجة الآن تتجذر و تتضخم لتصبح دولة داخل الدولة، و أحياء بأكملها الآن تسقط في قبضة البلطجية خارج سلطة الدولة المركزية كمؤشرات لإستقلال “دولة بلطجية المسجلين خطر” عن “دولة بلطجية الداخلية”.

خامساً: رجال الأعمال
يتفاوت رجال أعمال الدولة العميقة بين جيعان و جيعان و يجمعهم الفساد وسرقة دماء الشعب.  و من يدعي أن جيعان كساويرس ليس حرامي فأذكره برخصة موبينيل بالأمر المباشر و صفقة لافارج و التجسس لإسرائيل و غيرها من الفضائح.

وفي حقيقة الأمر أن رجل الأعمال من هؤلاء ليسوا سوى “لص ببدلة و كرافتة”، سرقته بالملايين و المليارات لكن من نموذج “إذا سرق القوي تركوه”.  من الطبيعي جداً أن يستميت هؤلاء اللصوص لإجهاض أي تحول يستعيد به الشعب حقوقه و ثروته و ينتزعها من أيديهم ويحاسبهم على سرقاتهم و جرائمهم.

سادساً: الإعلام
إعلاميو اليوم بمثابة الشعراء الذين ذكرهم القرآن:

“..يتبعهم الغاوون…ألم ترى أنهم في كل واد يهيمون…و أنهم يقولون ما لا يفعلون…”

و أذكر بالنص رد إعلامي ناصري ساويرسي في معرض معاتبته على كذبه و تضليله “أصل الفلوس حلوة”،  و إعلامية ساويرسية “كوافيرية” حين قالت في لقاء خاص “بالفلوس اللي بيدفعوهالنا الواحد يبيع أمه و أبوه”.

سابعاً: القضاء
أحسب أن بعض منظومة القضاء في مصر من الصنف الأول في حديث “قاضيان في النار وقاض في الجنة” و بالأخص منهم قضاة الزند و الفلول و المقبول.

الفاسدون في القضاء المصري ليسوا فقط الراعي الرسمي للفساد بل و الأب غير الشرعي له.

ثامناً: نشطاء الغبرة و نخب الغفلة
وما نموذج صباحي و أبوحامد و حمزة و سما المصري و غنيم و شباب البرادعي و 6إبريل و التيار الشعبي و تمرد و تحرش و بكار عنا ببعيد.

الدولة العبثية:
ملخص “المستوى المصري” من المنظومة الإنقلابية أو الدولة العميقة الذي ذكرنا هو ما يمكن الإشارة إليه ب”الدولة العبثية”.  تعبث بالوطن و شعبه و مصيره و مقدراته، قوامها إنتفاء الوطنية و الأهلية و المعيارية الأخلاقية و القيمية.

خان يخون..مش إخوان:
في المقابل هناك الإخوان المسلمون كطليعة القوى الوطنية التي دفعت الكثير على مدى تاريخها للنهوض بمصر و الأمة.  إلا أن التاريخ المشرف للجماعة لا يعطيها شيكاً على بياض لإدارة شؤونها فيما يتعلق بالحالة المصرية بالفهلوة و المحسوبية و طريقة إدارة العزبة.

جماعة الإخوان في النهاية مشروع حضاري لإستعادة هوية الأمة و ريادتها للمشروع الحضاري الإنساني وفقاً للتكليف الحصري “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”.  قوامها تربية الفرد الصالح و الأسرة و المجتمع و المؤسسة وصولاً إلى نظام الحكم نفسه.  إلا أن إختلاط الأولويات كان أبرز أوجه الخلل في أداء الإخوان بعد ثورة يناير، و مرده بالدرجة الأولى إلى إنعدام المؤسسية والفردية و الأنانية في مستويات معينة من صنع القرار.  و ما العجب و الإفتنان بالنفس و تضخيم الذات و القدرات إلا من جوانب الفردية و الأنانية.

الدعوة:
مبرر وجود الجماعة ينحصر في الأولوية السامية و هي “الدعوة”.  والدعوة لأفراد الجماعة هي “التربية” و لغير الإخوان فهي التكليف السامي “و من أحسن قولاً ممن دعا إلى الله و عمل صالحاً و قال إنني من المسلمين”.  و الدعوة لا تكون إلا بالرحمة و اللين و الرأفة، و لها رجالها.  و الأجدر بالجماعة تهذيب أفرادها وتأهيلهم للعمل الدعوي المجتمعي و الإنفتاح على الآخر للوفاء برسالة الرحمة و الخيرية المناطة بالدعاة إلى الله.  و لو إنصرف الإخوان إلى التربية و الدعوة منذ التنحي لكنا اليوم بألف خير.  وإرجع إن شئت إلى مقالاتي:

- أزمة الأوطان بين السلطة وبين الإخوان

- خطاب الإخوان بين الإستراتيجية و الإرتجالية

- مصر الديموقراطية و أولويات بناء الدولة

- المقال “في الدرج”: رئاسة مرسي بين المقطم و المنيل .. و الأنيل

والأخيران كانا يوم تنصيب مرسي، ثم مع بوادر تنامي المخطط الإنقلابي للعسكر بعيد تنصيب الرئيس المنتخب.

إذاً يتحمل الإخوان من المسؤولية تجاه المجتمع أكثر من غيرهم بحكم تاريخهم و رسالتهم و التكليف الرباني الذي إرتضوه منهجاً وسبيلاً، و هو ما ينجر على المصلحين على مدى التاريخ.

أما “الأعمال بالنيات” فهي ليست شيكاً على بياض فيما يتعلق بمصالح العباد.  فصلاح النية و خلاصها لا يبرر سوء الإدارة إذا ما إفتقر إلى الأخذ باسباب التوفيق و النجاح من إسترعاء “القوي الأمين” صاحب الأهلية و الكفاءة والتخصص و الأمانة و النزاهة.

الدعوة و مستقبلها:
أسس الإمام البنا و المرشدين الأفاضل من بعده الهضيبي و التلمساني على وجه الخصوص أن الإخوان جماعة بشرية من المسلمين، بما يحمله هذا التعريف من التواضع لله و الرفق و اللين بالمجتمع.  و على الرغم من إصطفائه كان الرسول صلى الله عليه و سلم أكثر الناس ليناً و تواضعاً و إيثاراً و حكمة.  بل إن الإمام البنا رحمه الله يذكر له الكثير من المناقب على هدي الحبيب محمد.  منها خروجه من أحد دروسه ليجد إمرأة عجوز تبحث عن حذائها فبحث عنه حتى وجده و ألبسها إياه، ثم سألها ما أتى بها فأخذت تصب جام لعناتها على شخص سيء الخلق لا تعرفه إسمه حسن البنا شغل إبنها بعيداً عنها.  فما كان منه إلا أن عرفها بنفسه و إعتذر لها و أوصى إبنها بالبر بأمه.

كثيراً ما يحلو لي رواية قصة المرشد الثالث عمر التلمساني بعد محاضرته في مخيم تربوي بالإسكندرية حيث أحضر له المنظمون كوباً من عصير المانجا كان يحبه، فلم يشربه.  حتى كانت نهاية اللقاء فسأله أحد الإخوة عن سبب عدم شربه لعصيره المفضل، فكان رده “لقد إعتادت زوجتي أن تعد لنا كوبين من عصير المانجا كل مساء نشربه معاً، فلما توفيت إمتنعت عن شربه وفاء لها لعل الله يجمعني بها نشربه سوياً في الجنة”.

من يقول لك أن الإخوان ليست سوى هذه النماذج لا يعرف من هم الإخوان و لا ما هي رسالتهم و تكليفهم و رسالتهم الحضارية.  و إني و بكل ألم وجدت إخواناً على الرغم من دعوتي لهم “ليلاً و نهاراً، جهراً و إسراراً” لم يلتفت بعضهم للدعوة و النصيحة، ربما لا لعيب فيهم بقدر ما هو عيب في الداعي.

السياسة و الدعوة:
الإسلام نظام حياة “قل إن صلاتي و نسكي و محياي و مماتي لله رب العالمين”. و من هنا فإن العمل المجتمعي و السياسي ليس في حقيقة الأمر سوى أوجه من العمل الدعوي، و ليس للمنصب السياسي كغاية.  و التنافس السياسي اياً كان لا يجب أن يخرج على الأولويات الدعوية أولاً ثم الضوابط الدعوية، فلا خير في سلطة و منصب إن لم يحقق رسالة الرحمة للعالمين التي إقتصر عليها التكليف الرباني لمحمد و أتباعه للعالمين جميعاً، البشر و غير البشر، و المسلم وغير المسلم.

الرئيس المنتخب:
أغلب ظني أن الرئيس مرسي صدق الله فصدقه.  إستشعر الحمل و المسؤولية مبكراً فتحرى الإخلاص و نظافة اليد منذ يومه الأول.  أجاد الرئيس و أحسن فيما إضطلع به شخصياً.  و جانبه شيء من التوفيق فيما ركن فيه إلى غيره و أوكله سواه، و هو المسؤول في جميع الأحوال بحكم التكليف.

الرئيس يحكم من خلال فريق و مساعدين، و هنا المشكلة الكبرى يكفينا فيها النظر إلى تخصصات و مؤهلات بعض مساعديه في المناصب و المهام المختلفة.  لم يعين مرسي معظم مساعديه و إنما ورثهم من منظومة الحملة الإنتخابية للمرشح المستبعد للجماعة، و كان إختيار أغلبه تبعاً للولاء و ليس معايير الكفاءة.

تقييم أداء أي إدارة حكم يتوقف على النتائج، و على الرغم من تواضع أهلية بعض فريق الرئيس إلا أن نظافة اليد و النزاهة لإدارته انعسكت في إنجازات تاريخية تكاد تكون مستحيلة عكستها تقارير الأجهزة الرقابية و المتخصصة كما نشرتها صحيفة الأهرام في ظل الإنقلاب.  من الإنجازات التاريخية للرئيس مرسي فائض الميزان التجاري و المدفوعات و الحصيلة الضريبية و الإيرادات العامة و تدني العجز و المديونية وغيره، عدا عن اعتماد الكادر للعديد من المهن والحد الأدنى للأجور وراتب الأرملة و المرأة المعيلة و الانتصار للعدالة الاجتماعية والاهتمام بتنمية وإعمار سيناء و المحافظات الحدودية والمهمشة و التخطيط لإنشاء عدد من المدن الجديدة وغيرها، كل ذلك في ظل حرب شعواء ممنهجة دولية و إقليمية، وعلى رأسها دولة عميقة فاحشة، و أجهزتها من قضاء و داخلية و إعلام و رجال أعمال و نخب مرتزقة و عسكر أبطن الخيانة لقائده الأعلى.

مصر بين القمة و القاع:
مصر دولة محورية و الأهم إستراتيجياً في العالم كله.  أهمية مصر الإستراتيجية لا تكمن في موقعها الجغرافي و أهراماتها، التي هي في حقيقة الأمر شاهد على إستعباد الفرعون لشعبه”، و إنما في أمرين إثنين:

- الشخصية المصرية الفطرية البسيطة السمحة المنفتحة الودودة

- التراكم و المخزون الحضاري في الشخصية المصرية

وهما أمران، و إن أفسدتهما عقود الظلم و الإستبداد، إلا أنهما لا يلبثان بالظهور بمجرد زوال الظلم كما رأينا في مجتمع ميدان التحرير أثناء ال18 يوم إعتصام.  و بشكل أكثر وضوحاً في مجتمع “المدينة الفاضلة” في إعتصامي رابعة و النهضة و غيرها من ميادين الإعتصام و الصمود.  و كما نراها الآن في مسيرات البطولة و الصمود في أرجاء الوطن الحبيب.

لمصر مسؤوليتها الحضارية أيضاً، تماماً كالمسلم الداعية إخوان أو غير إخوان، و عموم الإنسان “لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم…ثم رددناه اسفل سافلين…إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات…”.  مكانها إما في قمة الأمم تقود المجتمع الإنساني بأسره لخيره و أمنه و سلامه و عدله و فقاً للتكليف الحصري “و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”.  أو في قاع الأمم “أسفل سافلين” كما راينا فيها من إفرازات الظلم و الإستبداد و الفساد في حكم العسكر، على سبيل المثال.

أمريكا..و ما أدراك ما أمريكا
أمريكا في النهاية دولة حديثة العهد ما زالت في طور التشكيل.  واقعها له خصوصية من هوية ناشئة و مزيج ثقافي و نظم و مؤسسات و منظومة سياسات و صنع قرار، لكنها في النهاية تجمع بشري له مفاتحه و آليات تفاعله، و صناعة التاريخ في امريكا ليست بالمسألة المعقدة.

إلى حد كبير نظرتنا إلى أمريكا يشوبها الكثير من الإنبطاح و التبعية و الغموض و سوء الفهم لطبيعة و حقيقة المارد الأمريكي.  و كان الأجدر بنا، أمريكيين و غير أمريكيين، الإلتفات إلى واجبنا الدعوي بمفهومه الشمولي تجاه أمريكا مجتمعاً و دولة ومؤسسات بدلاً من تركها نهباً للعقائد الفاسدة و النظم الوضعية البالية و توغل المادة و تغولها على الروح، و ما ينعكس ذلك على الشخصية الأمريكية من إضطراب و تشوه في العقيدة و المفاهيم و نسبية في القيم و غيرها.

بإختصار أرى أمريكا إمتداداً طبيعياً للأمة الإسلامية و سيأتي يوم لا ريب يلتحم فيه جناحي الأمة شرقاً وغرباً.  و إن بدا الأمر مستحيلاً في المستقبل المنظور، إلا أنني أراه عياناً يقيناً، تماماً كما رأى حبيبنا صلى الله عليه و سلم فتح فارس يوم حادثة سراقة في هجرته من مكة إلى المدينة.  أما تحقق ذلك فيعتمد على مدى إكتمال العدة في نضوج شخصية المسلم الحضاري العارف لربه، الذي يتقي الله في نفسه وغيره، المدرك لطبيعة رسالته و تكليفه، والمتوكل على الله حق توكله.

الإنقلاب و مصيره:
ولد الإنقلاب ميتاً، لا حاسماً نظيفاً كما أراده الراعي و المخطط الأمريكي للأسباب التالية:

- تضخيم السيسي و القيادات الخائنة للعسكر لقدراتهم على إستعادة الدولة الوظيفية الخادمة أمريكياً، الحارسة إسرائيلياً، المرغوبة خليجياً و ديكتاتورياً، و المتسامحة مع الفساد داخلياً.

- فشل شيطنة الإخوان إعلامياً بتشويه الإخوان وخلق العداء لهم خارج نطاق النخب العميلة و الشرائح المغيبة من المجتمع.

- الصمود البطولي للرئيس المنتخب، على الرغم من إدراكه أبعاد اللعبة متأخراً، لكن خطاباته الأخيرة أرست دعائم مرحلة ما بعد الإنقلاب على صعيد الحراك و الصمود الشعبي.

- إعتصام الميادين منذ 28/6 و الذي أعاد جماعة الإخوان لحضن قطاعات واسعة من الشعب وكشف أبعاد المؤامرة مبكراً.

- إعتقال الإنقلاب لقيادات الإخوان وغيرهم من القيادات الوطنية، فرج الله كربتهم وفك أسرهم جميعاً، بما أتاح لحالة مجتمعية تلقائية من الصمود هويتها مصرية فطرية طبيعية، يرى الكثيرون أنها إخوانية.  و هو ما يثبت حقيقة أن الإخوان ليسوا سوى تعبير عن الهوية المصرية في أبهى صورها، بغض النظر عن الإنتماء التنظيمي من عدمه.

-حرب إنقلاب فاسد غاشم أسوأ من نظام المخلوع و اشد فساداً و ظلماً ودموية، و أكثر فشلاً من نظام ناصر، على الإخوان.  وهذا بطبيعة الحال أثبت للجميع أن الإخوان هم نقيض النظام الذي لفظه الشعب و ثار عليه.  كما و أثبتت التجربة أن ما طال الإخوان من ظلم و عنت في حقيقة الأمر قدم خدمات جليلة لدعوتهم لم تكن لتتحقق بعقود من الدعاة و المصلحين و الرموز.

-جرائم الإنقلاب و مجازره على مختلف أنواعها بما جعل المنظومة الإنقلابية بأسرها عرضة للمساءلة و الملاحقة و المحاكمات الثورية و الجنائية الدولية.  و هو ما إكتمل إعداد ملفاته في المحافل المعنية بمختلف درجات المسؤولية، داخل و خارج مصر و على مختلف مستويات القرار و التفويض و التخطيط و التنفيذ، من السيسي و فريقه و حكومته و أفراد عسكره إلى سائق قلاب المخلفات و الجثث التي تم دفنها في مقابر جماعية في مواقع عسكرية بعينها عقب مجازر الفض.

مصر..إلى أين؟
منذ فبراير 2013 وبالأخص فشل زيارة كيري لمصر، و التي يتحمل فشلها بالدرجة الأولى فريق علاقات خارجية “غير ناجح” للرئيس مرسي، كان القرار الأمريكي بإتاحة المزيد من الوقت لباترسون لإنجاز مخططها بإسقاط نظام مرسي.  ثم بعد الإنقلاب الفاشل البائس إستندت الإستراتيجية الأمريكية على إتاحة الوقت للسيسي لحسم سيطرته على الشارع المصري.

كان فشل مهمة وزير خارجية الإنقلاب في الحصول على إعتراف أممي بالنظام الإنقلابي في إجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة الضربة القاضية للإنقلاب و خارطة طريقه، تمثلت بمقاطعة 152 دولة لخطابه في الجمعية العمومية في الساعة العاشرة صباحاً من يوم السبت 28/9/2013، إعمالاً لقوله تعالى “إن الله لا يصلح عمل المفسدين”.  و كانت مجزرة رابعة و رسالة أحد الناجين من “محرقة رابعة” الحاضر الأبرز في الإجتماعات هذا العام، بعد أن كان حضور الرئيس مرسي، أول رئيس مصري منتخب، هو الأبرز في العام الذي سبقه.

أمريكا اليوم ترى الإنقلاب عبئاً، و كذلك بعض الرعاة الإقليميين للإنقلاب، و ما عنفصة السيسي و صراعاته مع آخرين داخل المؤسسة العسكرية إلا إيذاناً بفشل الإنقلاب بالنفاد بجلده من عواقب جرائمه بحق الشعب و الإنسانية.  و الرهان على “شرعنة الإنقلاب بدستور محروق و إنتخابات وهمية لن يطعم الإنقلاب من جوع أو يؤمنه من الملاحقات.

الحراك الشعبي العفوي و تمحوره حول “إستعادة الشرعية” هو الضمانة ليس لمجرد إسقاط الإنقلاب بل و القضاء على الدولة العميقة و تصحيح مسار الثورة.  إقتصار التفويض على الرئيس المنتخب، بالتحدث بإسم الشعب و التفاوض على المخرج من أزمة الإنقلاب و مستقبل مصر، شرط اساس لتجاوز أزمة الإنقلاب.  و أسجل هنا أشد تحذير من إضطلاع اي طرف و بالأخص تحالف دعم الشرعية أو قيادات إخوانية بالتفاوض نيابة عن الرئيس أو الشعب، دونما تفويض.

جرائم الحرب و الجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم و تخضع ليس فقط لإختصاص المحكمة الجنائية الدولية بل أيضاً للإختصاص العالمي في كل الدول الموقعة على ميثاق حقوق الإنسان و البنود المتعلقة بعالمية الإختصاص.  السيسي ورط كل المنظومة الإنقلابية في المسؤولية الجنائية، و بالتالي تطال الملاحقات الجنائية كل من شارك في خارطة طريق الإنقلاب و من يتورط فيها.

هناك أيضاً المواثيق الدولية و الإقليمية التي تجرم الإنقلابات العسكرية و تحظر الإعتراف بها و التعامل معها.

كما أن هناك القوانين الخاصة بالدول فيما يتعلق بصادرات السلاح و إشتراطات التمويل و شروط التعاون بما يترتب عليها من مساءلات جنائية للمخالفين، تصل إلى عزل رئيس الدولة المخالف بل ومحاكمته و تجريمه.

يستعين الإنقلاب بمرجعيات قانونية دولية، هي أيضاً بتورطها في “تقنين جرائم الإنقلاب” فقدت الكثير من رصيدها و أهليتها للإضطلاع بأي مهام حقوقية مستقبلية تشترط النزاهة و الحيادية.

الإنقلاب بحد ذاته جريمة سياسية ترتب عليها سلسلة من الجرائم الجنائية غير المسبوقة تاريخياً، بشاعة و توثيقاً، ملاحقتها جميعاً و القصاص منها مسألة وقت لن يطول كثيراً.

التحدي الأكبر:
سيعود الرئيس المنتخب إلى قصره، و هنا يتعين عليه ليس مجرد إستكمال إسقاط الإنقلاب و تطهير الدولة العميقة و القصاص من المجرمين، بل الأولويات التالية:

1. إعتماد معايير الكفاءة و الأهلية كشرط أساس في كل التعيينات للمسؤوليات العامة بدءاً من الفريق الرئاسي

2. صياغة المشروع الحضاري و الدور الرسالي للدولة المصرية و مسؤولياتها الحضارية.

3. صياغة المشروع الإستراتيجي للدولة المصرية الذي يترجم مشروعها الحضاري لواقع.  بدءاً من تعريف الدولة المصرية، و مشروعها، وأهدافها، و نموذج حكمها، ومسؤوليات الحكم، و المهام المترتبة على المسؤوليات، و معايير الأهلية، و الكفاءة للمهام، و آليات المتابعة و التقييم.

بإختصار، منظومة الحكم في المشروع الإستراتيجي للدولة هي تعريفات وتفصيلات و تصنيفات و توصيفات منظومة “الحكم العادل و الرشيد”

4. صياغة منظومات الحكم على أساس إستراتيجي إحترافي و أهمها على الإطلاق منظومة العلاقات الخارجية، و التي كانت كارثية بكل معنى الكلمة قبل الإنقلاب، و كذلك الإعلامية.

5. التعبئة الجماهيرية و المجتمعية التي تجعل من الشعب المصري شريكاً في المسؤولية و القرار على مختلف مستوياته و أفراده، و جيشاً دؤوباً لبناء الحضارة.

6. برامج التأهيل المجتمعي و الحضاري للشعب على مختلف مستوياته و مؤسساته، بدءاً من رئيس الدولة و أفراد المجتمع حتى أصغر بلطجي أرزقي. و كنت إقترحت سابقاً “أكاديمية غفار لإعداد القادة” لإعادة التأهيل إستلهاماً من تجربة الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري.

الخاتمة:
الغاية من الخلق هي التكليف.  و التقصير في أداء التكليف هو سبب كل أزمة و مصيبة.  أما التكليف فهو تقديم الحل الرباني لمشكلة الوجود، إنسانية كانت أو غير إنسانية.

منظومة الحل للمشكلة الإنسانية هو ما نسميه ب”الحضارة”، و نحن أصحاب النموذج الأمثل له على مدى التاريخ.

ثورتنا ليست إلا تحول حضاري يبدأ بإعادة التعرف على الهوية، وصولاً إلى البناء الحضاري الأمثل.

أما طريقنا لإعادة بناء الحضارة فهو بكل بساطة “القراءة المعاصرة للتراث”.  إستلهام الدرس و العبرة من النص و الحدث لمعالجة المشكلة المعاصرة، أياً كانت، أينما كانت، و أياً كان صاحبها.

ولله الأمر من قبل و من بعد

Comments

Tell me what you're thinking...
and oh, if you want a pic to show with your comment, go get a gravatar!